أحمد مصطفى المراغي

4

تفسير المراغي

الإيضاح ( لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ ) حب اللّه لشئ هو الرضا به والإثابة عليه ، والجهر يقابل السر والإخفاء ، والسوء من القول ما يسوء من يقال فيه كذكر عيوبه . ومساويه التي تؤذى كرامته . والمعنى - أنه تعالى لا يحب من عباده أن يجهروا فيما بينهم بذكر العيوب والسيئات لما في ذلك من المفاسد الكثيرة التي أهمها : 1 ) إنه مجلبة للعداوة والبغضاء بين من يجهر بالسوء ومن ينسب إليه هذا السوء ، وقد يصل الأمر إلى هضم الحقوق وسفك الدماء . 2 ) إنه يؤثر في نفوس السامعين تأثيرا ضارا بهم ، فقد جرت العادة بأن الناس يقتدى بعضهم ببعض ، فمن رأى إنسانا يسبّ آخر لضغائن بينه وبينه ، أو لكراهته إياه قلده في ذلك ، ولا سيما إذا كان من الأحداث الذين يغلب عليهم التقليد أو من طبقة دون طبقته ، إذ عامة الناس يقلدون خواصهم ، فإذا ظهرت المنكرات في الخاصة لا تلبث أن تصل إلى العامة وتفشو بينهم . ومن تميل نفسه إلى منكر أو فاحشة يجترئ على ارتكابهما إذا علم أن له سلفا وقدوة فيهما ، فسماع السوء كعمل السوء فذاك يؤثر في نفس السامع وهذا يؤثر في نفس الرائي والناظر ، وأقل هذه الأضرار أنه يضعف في النفس استقباحه واستبشاعه خصوصا إذا تكرر السماع أو النظر . وكثير من الناس يجهل مبلغ تأثير الكلام في القلوب ، فلا ينزهون ألسنتهم عن السوء من القول ولا أسماعهم عن الإصغاء إليه . والخلاصة - إن اللّه لا يحب الجهر بالسوء من القول ولا الإسرار به ، إذ هو قد نهى عن النجوى بالإثم والعدوان ومعصية الرسول ، لكنه خص الجهر هنا بالذكر لمناسبة بيان مفاسد الكفار والمنافقين في هذا السياق .